مسيرة حافلة بالمعارف والأخلاق
فى أوائل العقد السادس من القرن العشرين ولد طفل لأسرة محمدن ولد أحمد امات ولأمه أبي منت أحمد ديدي تلك الأسرة التى تشاركت فى معانى الفضل والسؤدد والعلم والصلاح والأخلاق الرفيعة ، اختار الوالد دداه رحمه الله ئل العقد السادس من القرن العشرين ولد طفل لأسرة محمدن ولد أحمد امات ولأمه أبي منت أحمد ديدي تلك الأسرة التى تشاركت فى معانى الفضل والسؤدد والعلم والصلاح والأخلاق الرفيعة ، اختار الوالد دداه رحمه الله للمولود المبارك أحب الأسماء إلى الله محمد عبد الله ..
ظهرت بوادر التميز عند الطفل القادم ولمَّا يبلغ الحلم
كانت أمّه الفاضلة أرضعته لبان الخلق والصلاح والمعانى الفاضلة التى كانت من شيمها ، بينما غذَّاه الوالد من موائدالرفعة والشهامة والعلم بين طلاب محظرته التى أراد الله لها أن تكون فريدة بين محاظر الساحل علما ومعرفة وأخلاقا ..
فى هذا الجو المعطر بقراءة القرآن وحفظه والتبارى فى فهم وحفظ وتفسير متون الفقه واللغة والشعر والسيرة النبوية ناهيك عن إتقان معانى الفتوة والبذل والسمو التى هي جزء من المنهج الدراسي لمحظرة محمدن ولد امات وكأنَّ حاضرة محمدن ولد امات دداه خليةُ نحل تُسابق الزمن فى فعل صنوف الخير علماوتدريسا وكرما وبذلا وسخاء يعتنق فى سوحها رفع الأذان وأجيج صوت طلاب العلم الوافدين من كل فج عميق ..
فى هذا الجو نشأ وترعرع محمد عبد الله المعروف بأبو أنس ..حفظ القرآن فى سن مبكرة حيث بدأت معالم الذكاء والفتوة والنظافة الخلقية والبدنيّة والتعالي عن سفاسف الأمور تتجلى عنده وعمره لم يتجاوز عقدا من الزمن وكأنه يُعد نفسه لما سيكون عليه مستقبله الواعد .. بدأ الفتى الصغيرُ سنا الكبير عقلا وعلما يبارى الكبار فى أمور أسما وأعظم من عمره ويقارعهم سنيات المعارف والشؤون العامة بفهمه الساطع وتوفيقه فى الرأي والمشورة فيذعن الكل لأفكاره النيرة وآرائه الصائبة وردوده الدامغة وكأنه المقصود بقول الشاعر :
إذا بلغ الفطام لنا صبـي
تخر له الجبابر ساجدينا.
المدرسة الحديثة كانت محطته الثانية بعد المحظرة وبروز َشخصيته المتكاملة علما وفضلاوعقلا .. لم تذهب جهوده فى المحظرة التي سبر أغوارها سُداً بل كانت “بروفة”لماينتظره فى العالم الجديد عالم المدرسة العصرية وثقافة العصر الجديد ومقتضياته ..
الوافد الجديد لم يقفز إلى أعلى الشجرة كي لا يتعثر فى متاهات الغرور وإن كان الوصولُ إلى القمة قدرَه المحتوم .. بدأ دراسته الأولى فى معهد بنلميت ليحصل على شهادةالاعدادية ما أهله للاالتحاق بمدرسة تكوين المعلمين ومنها إلى ممارسة التدريس الابتدائي سنتين فى كيهيدي ونواكشوط.
الهمة الطموحة حملت الشاب اليافع إلى المملكة العربية السعودية ليلتحق بمعهد تابع لجامعة الإمام محمد بن سعود فى العاصمة الرياض فيحصل على الثانوية العامة
ومن هنا تبدأالمراحل الجامعية والأكاديمية فى الرياض ليكمل شهادة الباكولوريوس فى نفس الجامعة سنة 84/85 ..
التحق بالدراسات العليا الماجيستير مباشرة لتتم مناقشة الرسالة سنة 1989 وليمنح درجة لامتياز مع التوصية بطباعة رسالته والاستفادة منها وقد تمت طباعتها فى كتاب عنوانه تعارض البينات فى الفقه الاسلامى وكانت الرسالة بإشراف مفتى السعودية سماحة الشيخ عبد. العزيز إل الشيخ تمت مناقشة الرسالة عام 1996
ويواصل دكتور أبوانس دراسته لنيل الدكتورا وقد أشرف على رسالته الدكتور محمد العجلان رئيس جامعة الإمام محمد بن سعود حيث تمت مناقشتها سنة1996
وفي العام 1997 تم قبوله موظفا في المركز العربي للعلوم الأمنية الذي أصبح فيما بعد جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
تولى مسؤولية البحث فى نفس الجامعة ثم ترقى في المراتب العليامع تطور المؤسسة ليكون
رئيس قسم العدالة الجنائية فيها
فعميدا لكليتهاحيث أنها كانت من مقترحه وهو الشخص الذي أضحى رأيه معتبرا من بين الأساتذة الأكادميين فى المملكة عموما وفى جامعة نايف العربية للعلوم الامنية بشكل أخص ، لذلك أصبح هو المكون والمؤطر الأول لكل الدورات التي تقام فيها من حين لآخر..
لقد أبى الدكتور أبو أنس رحمه الله تعالى إلا أن تكون له اليد الطولى في العلاقات العامة وفيما ينفع الناس دنيويا وأخرويا .. ناهيك عن مشاركته في كل ما يخدم الإسلام و المسلمين وكان له حضور وازن فى إنشاء المؤسسات التعليمية الكبرى في أفريقيا وآسيا وأوروبا .. وكان محاضرا ومرشدا مُرحَّبا به فى الندوات العالمية للشباب الإسلامي وفى أغلب الجامعات القارية ..
أما في بلده الأم فحدث ولا حرج فلا تكادتكون هناك مؤسسة تعليمية أو خدميةفى بلاده موريتانيا إلا وهو عضو فيها أو مؤسس فى مجلس ادارتها أوراعي مصالحها وعينه من ورائها ناهيك عن المنح والتزكيات وغيرها من خدمة الناس سواء تعلق الأمر بالهيئات أوالافراد وهي أمور يقوم بها الدكتور المرحوم أبو انس دون مقابل أورياه أو محاباة وإنما هي هبات مجانية لوجه الله تعالى ليس لها من جزاء سوى رضا الخالق سبحانه وتعالى.
وبالعودة إلى بداية الدكتور أبوأنس مع العلم والتعلم والتعليم فبإمكاننا القول إنها كانت بداية موفقة حيث بدأت معالم الطريق المستقيم تنداح أمامه وهو فى بواكير حياته خارج الوطن الأم .. وهناك وبين أساتذته وزملائه الطلاب فى الجامعة بدى الطالب الجديد كأنه الأستاذ الأول فى كل مراحل الجامعة .. كان يعود إليه الكل كلما أوعزهم أمر أوعرضت لهم مشكلة علمية أو إدارية أو حتى مادية فكأنه المعني بها وحده دون غيره ليفكك طلاسيمها ويزيح عوارضها أوكأنه يستحضر دائما قول الشاعر :
إذا القوم قالوا من فتىً خلت أننى
عنيت فلم اكسل ولم أتبلـــد..
سخرأبو أنس رحمه الله وأرضاه نفسه وماله وعلمه فى سبيل الكل ولخدمة الكل ..
ومنذ أن حل بالمملكة العربية السعودية بات ملجأ الحاج والمعتمر والضيف والزائر .. كان بيته فى مكة المكرمة وفى المدينة المنورة وحتى فى الرياض مكان ِ إقامته محجا يستضيف وفود الحجاج والمعتمرين وحتى الزوار والضيوف والمقيمين .. يقول الشاب العالم الدكتور جمال ولد الحسن بعد عودته من الحج رحمه الله محدثا بعض زوار ه إنه اكتشف هناك ركنا من أركان الحج لم يكن يعرفه من قبل يسمى أهل امات ..
حياة أبو أنس التى عاشها بين الأهل منذ صغره وما اقتطفه من علوم محظرة والده رحمه الله ومامر به من تعلم وتعليم وتوجيه ومن أعمال الخير التى يستحيل إحصاءها داخل وخارج الوطن وبعد ماكتنفته حياته زهاء خمسة عقود فى أرض الحجاز ونجد من دعوة إلى الله وبذل وعطاء وإرشاد يبدأ الرجل يلخص حياته فى فترة زمنية قصيرة لكن دروسها ممتدةٌ أكثر من الزمن كله وهي بمثابة تلخيص لحقيقة الرجل التى كان يخفيها عن الكل … حقيقة إمانه الثابت بالقدر خيره وشره حقيقة شجاعته حقيقة سمو أخلاقه ..
إنها قصة المرض التى ختمها بقصة الشهادة ..
فعندما علم أبونس بحقيقة مرضه وأن شفاءه منه أمر مستحيل إلا بإذن الله بدأ يُـعد للأمر عدته بهدوء وتوءدة وكأنه يستعد لرحلة سياحيةٍ مُريحة ولم يأبه بالآلام التي كانت ترافقه فى الخفاء ولابصعوبة السفرفعاد إلى الوطن واصلاً رحمه ومودعا أحبته ،
عاد أبو أنس بابتسامته الجميلة وكلماته الحلوة وتوجيهاته النيرة التى عهدها الكل وكأن شيئا لم يقع ودون أن يُشعر أحدا بالحقيقة الموجعة التى أودعها فى نفسه ولم يبح بهالأي أحد
بدى أبوأنس وكأنه حقق مبتغاه الذي
يُشعر من يراه بأنه سيُشفى من مرضه العضال لكن هيهات لما يعتقده ويتمناه الأهل والمحبون الذين غطت سحنتُـه الوضاءة وابتسامته المشرقة على شعورهم بالخوف عليه ..فهو يعلم كل شيء ويسعى لما هو أعظمُ وأسما ، يسعى للقاء ربه خلال أيام قلائل ، يسعى لأن يكون فى جوار المصطفى صلى الله عليه وسلم ، يسعى لأن يكون مأواه الأخيرُ فى أرض بقيع الغرقد الطاهرة ، يسعى لأن يكون قبره بين حضرة الصحابة وأمهات المؤمنين والتابعين والأئمة وأخيراً يسعى لجوار والده العالم الصالح دداه رحمه الله وهو ماتحقق بالفعل وعزاءنا فيما تحقق والحمد لله على ذلك ..لكنه وإكان غاب عنا نحن للأسف فقد غاب أيضا عن سماع ماشهد له به الآلاف شعرا ونثرا ورسائل ممن كان عزاءهم شهادة بماعلمناه نحن أهله وبما غاب عنا من أفعاله الخيِّـرة وأقواله النيرة ..
رحم الله العالم الشهم السخي التقي النقي محمد عبدالله ولد محمدن ولد احمدامات أبو أنس .. اللهم اجمعنا وإياه فى الفردوس الأعلا من الجنة فى جوار النبيين والصديقين والشهداء وحسن ألائك رفيقا
