أدب

مقابلات من التراث الموريتاني فى الأدب بشقيه

ديوان محمد ولد احمد يوره

كتب عز الدين كراي أحمد يوره

سجَّل لمرابط امحمَّدْ بن أحمدْ يُورَ في أدَبِهِ عِدَّةَ مفارقات طريفة من التراث الموريتاني، مِنها أن شجر “أيْرْوارْ” -الذي يُعَرِّبُونَه تَجَوُّزاً بالقتاد- يخالطه الشيبُ في عنفوان شبابه، وقد استعارَ الشَّيبَ هُنا للزَّهْرِ أو النَّوْرِ الأبيضِ الذي ينبُت في هذا الشجر والمعروف محلياً ب”تَيْدِشْمَه”، كما أن هذا الشجرَ تعشقه الأنعام إبانَ شيبه وهو أمرٌ غير مألوف، على الأقل في مجال الشوق والغرام عند الآدَمِيين، يقول امحمَّدْ:

تعجَّبتُ مِن شأنِ القتادِ شبابُهُ
لهُ عُنفُوانٌ إذْ تشيبُ ذوائبُهْ

و يُحْيِي بهِ سَجعُ الحمائمِ بالضُحى
هَوَى مَنْ نأتْ أحبابُهُ وَ حبائِبُهْ

و تعشقهُ الأ نعامُ إبَّان شيبهِ
وما خِلتُ أنَّ الشَّيْبَ يُعشقُ صاحبُهْ

كما يرى امحمَّد أنه مِن المُفارقات أيضاً في التراث المُحلِّي أن يقوم الناسُ عندنا بتقويةِ لبنِ الضأن -وهو قويٌّ أصلاً – بتسخينه بالحجارةِ زمن الشتاء، في حِين يُضْعَفُ لبنُ المعز بزيادته بالماء الذي هو ضعيفٌ أصلاً، وعبَّر عن اللبن المسخن بالحجارة بقوله: “اللبن الرضيف” وتلك لَعمري فصاحَتُه، :

أرَى المُقتاتَ باللبن الرضيفِ
يكونُ لهُ الشِّتاءُ من الخريفِ

ولا سِيَما إذا ما كان ضأناً
فما المَشروفُ يُوجَدُ كالشريفَ

و ألبانُ المعيزِ تُزادُ ماءً
كإسنادِ الضعيفِ إلى الضعيفِ

ومما قد يُلحق بتلك المُفارقات تَعجُّــبُه في قطعة له مشهورةٍ مِن وجود جَــنَّـةٍ لدى مُشرِكٍ! وإنما ذلك على وجه التلميح والتلاعب بالألفاظِ، فَـــ”مُشرِك” المذكورُ في الأبيات مَكانٌ بعينه في منطقة “آمْلِيلْ”، والمقصود بالجنة في الأبيات الحديقةُ أو نحوُها …

رأيتُ بقيعانِ القرارةِ سُنْبُلاً
فمِنْ مُفْـرِكٍ منهُ ومِنْ غيرِ مُفْـركِ

وفي “مُشركٍ” مِنْ يانِعِ الرَّوْضِ جَنَّةٌ
فيا عَجَباً مِن جـــنَّةٍ عند مُشركِ !

وحرَّكني ظـبيٌ هنالكَ ساكنٌ
فيا سـاكِناً عطْـــفاً على مُــتَحَــرِّكِ

عشيةَ أبدَى لي موائدَ حـُــسْنهِ
وما ذُقـــتُ منها لُقمــــةَ “المُـتَـبرِّكِ”

فقلتُ له إذ رامنى ليَصيدني
“فإنك كالليل الذى هــو مُدركِي”

ومما يذكرُ هنا أن هذا المكانَ “مُشرك” له ذكرٌ بارز في شعر امحمد، مِن ذلك قوله في أدب الفصيح:

خليلَيَّ مُرَّا بي قليلا ” بمُشْرِكٍ
لعلَّ هُمومَ النفسِ يُشْفَى مُصَابُها

رعَى الله أياما تولت بِمُشْرِكٍ”
وكان مُنانا مُذْ تولَّــتْ إيابُها

أظُنُّ بِهَاتِيكَ المَعاهِدِ جُمْلَـهَا
وأحْسبُ فِيها دَعْدَها ورَبابَها

وأيامُ ذِي قارٍ قواصرُ دونَها
وأيامُ حُزوى”ما أكَلْنَ كِعَابَها”

ومنهُ قولُه في الشعر الحسَّاني:

ڭَـيَّمْلِ مُشْرِكْ واظْوَيَّاتْ
البَولْ ابْلَيْعَاتْ امْتاناتْ

وِالعِلْبْ ألِّ فِيهْ التَّمَاتْ
ذاكْ ألِّ لَرْباطْ افْبَاطُ

هُوَّ ڭَاعْ امْتَنْهَ لَيْعَاتْ
ارْبَاطُو وارْبَاطْ ارْبَاطُو

لُكَيْرْ اتْفُو بِيهْ ابْدِخْلِيهْ
حَدْ اِمْنْ الرَّفْ ابْڭِــيراطُو

عَنْدِي عَنُّو لُوخِيظْ إعْلِيهْ
أشْبَهْلُو مِنُّو تِحْوَاطُو

كما أن امحمَّدْ تناول “مُشركْ” من الناحية اللسانية والجُغرافية، وذلك في كتابه: “إخبارُ الأحبارْ بأخبار الآبارْ”، وبالتحديد عند الكلام على منطقة “آمليلْ” حيث يقول:

(( آمْلِيلْ، وأصله “أَملج” بالبربرية وهو “الأبيض”، ولعله تفاؤل لأن البربرَ يتطيرون بالسوادِ، وهو أرضٌ سوداءُ واسعةٌ وتنبسطُ أحياناً حتَّى تتسع جِدّاً، تَحُفُّ به الرِّمالُ البِيضُ شرقاً وغرباً، ورُبَّما سالَ فيها الماءُ مِن الجهة الجَوفية حتَّى يَبـــلغَ “أًضَيَّاتِ البول” كما شاهدناه.

ومِن مِياهِه “مُشْرِكْ”، وأصله بالبربرية “أمشرگ” وهو الذي لا يَروَى الشاربُ منه لقلة مائه، وهو غدير مليح، وإذا نضب حفرت آبار فيه قليلة الماء.

وفيه يقول بعضهم مِن أبيات:

وفي “مُشركٍ” مِنْ يانِعِ الرَّوْضِ جَنَّةٌ
فيا عجباً من جـــنَّةٍ عند مُشركِ ! ))

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى