تقاريرثقافة

الغزو البرتغالي والتحالف الحساني-الصنهاجي

تقرير

عن صفحة  الأستاذ : زايد المسلمين ماء العينين

حول «الغزو البرتغالي» والتحالف الحساني-الصنهاجي» و«جلاء» البرتغاليين عن آرغين
قراءة نقدية في بعض ما ورد في تدوينة د. أحمد ولد المصطف
د. السالم بن دَيْد عبود

لقد ذكر الدكتور أحمد ولد المصطف في تدوينته المرفقة:
(«الغزو البرتغالي لسواحل صحراء الملثمين من 1441 إلى 1634م والذي تسبب في سبي وقتل عشرات الآلاف من السكان»).
ثم قال:
(«لقد تمت مواجهة البرتغاليين، وفق ما ورد في الوثائق البرتغالية، عبر تحالف حساني-صنهاجي قاده في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي أولاد رزق بمساعدة إنيرزيك، ولا شك أن المغافرة، وبالأخص الترارزة، واصلوا الضغط على البرتغاليين بعد معركة انتينام حتى جلائهم مطلع 1634م»).

وهذه الفقرة تجمع عددًا من الدعاوى التاريخية المختلفة؛ ولذلك فإن مناقشتها تقتضي فصل بعضها عن بعض، ووضع كل دعوى في مقابل ما تثبته المصادر والوثائق فعلًا.

■ أولًا: دعوى «سبي وقتل عشرات الآلاف من السكان»

بدأ الأسر البرتغالي المباشر في هذا المجال سنة 1441م، ثم شهدت السنوات التالية غارات وأسرًا وقتلًا ومقاومة محلية. وتعد حولية غوميش إينش دي زورارا Gomes Eanes de Zurara, Crónica dos Feitos da Guiné المصدر البرتغالي الأساس لهذه المرحلة، وقد أتم زورارا الحولية سنة 1453م، بينما تنتهي روايته للأحداث بسنة 1448م (Zurara, Crónica dos Feitos da Guiné؛ Beazley & Prestage, The Chronicle of the Discovery and Conquest of Guinea, Introduction, pp. xix–xx).
لكن الانتقال من ثبوت هذه الغارات إلى القول إنها أدت إلى «سبي وقتل عشرات الآلاف من السكان» يحتاج إلى دليل عددي مستقل؛ لأن الأرقام التي يقدمها المصدر الأقرب إلى الأحداث لا تسند هذا الرقم.
ففي حملة Lançarote سنة 1444م، التي اتجهت إلى costa de Arguim، بلغت أكبر حصيلة أسر حتى ذلك الوقت، بحسب زورارا:
235 أسيرًا
(Zurara, Crónica dos Feitos da Guiné؛ Teresa Lacerda, “Lançarote”, Enciclopédia Virtual da Expansão Portuguesa, CHAM, 2009).
أما مجموع الأسرى الذين حملهم مختلف الرحالة إلى البرتغال حتى نهاية رواية زورارا سنة 1448م، فيبلغ بحسب تقديره:
927 أسيرًا
(Beazley & Prestage, The Chronicle of the Discovery and Conquest of Guinea, Introduction, p. xx).
وهذا الرقم الأخير يحتاج إلى ضبط دلالته؛ فهو مجموع ما حمله مختلف الرحالة إلى البرتغال حتى سنة 1448م، وليس عدد أسرى حملة واحدة، كما أن المجال الذي تغطيه رحلات الحولية تجاوز ساحل Arguim والصحراء إلى مناطق تقع جنوبًا؛ فقد وصلت أخبارها إلى Cape Verde وGuinea-land وما وراءهما (Beazley & Prestage, The Chronicle, Introduction, pp. xix–xx).
ومن ثم لا يصح تحويل رقم 927 إلى «927 من سكان الساحل الصحراوي»، فضلًا عن جعله دليلًا على «عشرات الآلاف».
كما ينبغي التفريق بين ثلاثة مستويات عددية مختلفة:
235 أسيرًا: حصيلة حملة Lançarote سنة 1444م على costa de Arguim.
927 أسيرًا: مجموع الأسرى الذين حملهم مختلف الرحالة إلى البرتغال حتى سنة 1448م بحسب تقدير زورارا، في المجال الأوسع الذي تناولته الرحلات.
عدة آلاف من الرقيق: مروا لاحقًا عبر مركز Arguim خلال عقود من النشاط التجاري؛ وهذه أرقام تتعلق بحركة التجارة والتصدير عبر المركز، وليست إحصاءً لآلاف من سكان الساحل أسرهم البرتغاليون مباشرة في الغارات.
فالقول:
«مر عبر Arguim عدة آلاف من الرقيق»
ليس مساويًا تاريخيًا للقول:
«سبى البرتغاليون عدة آلاف من سكان Arguim».
فمكان التصدير لا يساوي بالضرورة مكان المنشأ، والرقيق المشترى أو المتبادل عليه عبر شبكات التجارة ليس بالضرورة أسيرًا أخذه البرتغالي بنفسه في غارة ساحلية.
ومن ثم فإن دعوى «سبي وقتل عشرات الآلاف من السكان» تحتاج إلى مصدر يثبتها، ولا تكفي لإثباتها أرقام زورارا.

■ ثانيًا: هل كانت الفترة 1441–1634م كلها مرحلة واحدة من «الغزو البرتغالي»؟

لا خلاف في أن أربعينيات القرن الخامس عشر شهدت غارات برتغالية وأسرًا وقتلًا.
لكن المادة نفسها تكشف أيضًا عن مقاومة متصاعدة من سكان الساحل: فرار عند مشاهدة السفن، وإخلاء بعض المواقع، وكمائن، ومواجهات مسلحة، وقتل لبعض المغيرين. وقد أصبحت كثرة السكان وقوتهم في بعض المواضع عاملًا يدخل في حساب البرتغاليين عند التفكير في الهجوم (Zurara, Crónica dos Feitos da Guiné، أخبار حملات Arguim وTider).
ومن الوقائع الدالة على ذلك مقتل Gonçalo de Sintra في مجال Arguim، ثم خروج الحملة البرتغالية اللاحقة في سياق الثأر لمقتله؛ وتذكر موسوعة التوسع البرتغالي أن حملة Lançarote سنة 1445م كان من أهدافها الانتقام لمقتل Gonçalo de Sintra (Teresa Lacerda, “Lançarote”, Enciclopédia Virtual da Expansão Portuguesa, CHAM, 2009).
ثم أخذت العلاقة تتحول بصورة متزايدة في أواخر أربعينيات القرن الخامس عشر من الغارة إلى التجارة.
وزورارا نفسه يفسر توقف روايته عند 1448م بأن الأمور بعد ذلك صارت تعالج بدرجة أكبر بالمعاملات والاتفاقات التجارية بدل القوة والسلاح (Zurara, Crónica dos Feitos da Guiné, ch. XCVII).
ولا يعني هذا أن جميع أعمال العنف أو الغارات البرتغالية انتهت في يوم محدد سنة 1448م؛ وإنما يعني أن المصادر نفسها تشهد لتحول في طبيعة العلاقة.
ومن ثم فإن جمع الفترة من 1441م إلى 1634م كلها تحت وصف واحد هو «الغزو البرتغالي»، كما لو أن طبيعة العلاقة ظلت واحدة قرابة قرنين، يحتاج إلى مراجعة وتفصيل.

■ ثالثًا: حولية زورارا والخريطة السكانية المبكرة

إن حولية زورارا، تغطي في القسم المتعلق مباشرة بهذه المرحلة، أحداث أربعينيات القرن الخامس عشر، وتنتهي روايتها سنة 1448م/نحو 852هـ.
ويستعمل زورارا في وصف الجماعات التي التقى بها البرتغاليون ألفاظًا من قبيل:
Mouros
و:
Azenegues / Azanegues
وترد كذلك تسميات أخرى بحسب السياق.

وقد تتبعنا في تدوينة سابقة تحت هذا الرابط:

أسماء الجماعات التي تقدمها الحولية في هذا المجال، ولم نقف في خريطتها السكانية على ذكر الأوداية/أولاد رزق، كما لم نقف فيها على اسم حسان.
بل إن اسم حسان، فيما وقفنا عليه، لا يظهر حتى في الوثائق البرتغالية المتعلقة بهذا المجال خلال القرن السادس عشر.
ولهذا ينبغي إبقاء مصطلحات المصدر كما هي، ثم يكون تحقيق المطابقة بينها وبين الأسماء القبلية اللاحقة بحثًا مستقلًا يحتاج إلى دليله.

■ رابعًا: ماذا تقول وثيقة Arguim المؤرخة في 10 أبريل 1549م؟

إن هذه الوثيقة بالغة الأهمية؛ لأنها معاصرة للقرن السادس عشر الذي جعلته تدوينة الدكتور أحمد زمن «التحالف الحساني-الصنهاجي» الذي قال إن أولاد رزق قادوه.
وهي رسالة Cristóvão Valle de Rosales من Arguim إلى ملك البرتغال، مؤرخة في 10 أبريل 1549م.
والأصل الأرشيفي للوثيقة محفوظ في:
Arquivo Nacional da Torre do Tombo (ANTT), Corpo Cronológico, Parte I, Maço 82, n.º 86.
وقد نشر Francisco Freire نصها البرتغالي في دراسته عن الساحل الصحراوي سنة 1549م، ص33
(Francisco Freire, A costa sahariana em 1549: uma visão portuguesa desde Arguim, p. 33).
والوثيقة متاحة بنصها؛ ولذلك يمكن مقارنة ما نسب إليها بألفاظها نفسها.
1. من الخصم؟
تقول الوثيقة صراحة:
castelhanos das Canaryas
أي:
«القشتاليون من جزر الكناري»
(Freire, A costa sahariana em 1549, p. 33).
وتذكر أنهم كانوا قرب:
ryo de Çenaguá
وتفسر رغبة السكان في القبض عليهم بما كانوا يلحقونه بهم من الضرر، فتقول:
por que lhes catiuão molheres e filhos
أي في المعنى:
«لأنهم كانوا يأسرون نساءهم وأبناءهم»
(Freire, p. 33).
فالخصم الأوروبي الذي تسميه الوثيقة في هذه الواقعة هو القشتاليون القادمون من جزر الكناري.
2. من صاحب التحرك؟
تذكر الوثيقة:
o senhor dos narziguas, alforma deste castello
أي:
«سيد/زعيم الـNarziguas، alforma هذه القلعة».
ونترجم senhor dos narziguas هنا بـ**«سيد/زعيم الـNarziguas»**، أما لفظ alforma فنُبقيه على رسمه الوارد في الوثيقة إلى أن تستكمل دلالته الاصطلاحية الدقيقة في هذا السياق، حتى لا نحمله معنى سياسيًا أو إداريًا لا يثبته النص.
ثم تقول الوثيقة إن هذا السيد/الزعيم للـNarziguas كان يتحرك برًا ومعه:
muitos mouros de cavallo e de pee
أي:
«عدد كبير من الـMouros، فرسانًا ومشاة»
(Freire, p. 33).
وهذا الوصف مهم؛ لأن الوثيقة لا تكتفي بذكر Narziguas اسمًا ضمن أسماء الجماعات، بل تذكر سيدهم/زعيمهم، ثم تسند إليه التحرك بقوة تضم عددًا كبيرًا من المور، فرسانًا ومشاة، في سياق السعي إلى القبض على castelhanos das Canaryas، أي القشتاليين من جزر الكناري، بسبب ما كانوا يلحقونه بالسكان من ضرر وأسر لنسائهم وأبنائهم.
وهو كذلك الذي يظهر في الوثيقة طرفًا في التفاوض مع المسؤول البرتغالي، وينقل إليه العرض المتعلق بمنع القشتاليين من الوصول إلى الساحل.
إذن الشخص الذي تضعه الوثيقة في مركز التحرك والتفاوض هو:
senhor dos narziguas = «سيد/زعيم الـNarziguas».
ولا تقول الوثيقة إن Ludea/الأوداية أو أولاد رزق هم الذين قادوا هذه القوة.
وهذا التفصيل مهم عند مقارنة نص الوثيقة بقول الدكتور أحمد إن المواجهة تمت عبر:
«تحالف حساني-صنهاجي قاده… أولاد رزق بمساعدة إنيرزيك».
فالوثيقة لا تقدم ترتيب الأدوار بهذه الصورة؛ إذ لا يظهر Ludea فيها قادةً للقوة، ولا يظهر Narziguas مجرد قوة مساعدة لهم؛ بل الذي تسميه الوثيقة وتجعله صاحب التحرك والتفاوض هو سيد/زعيم الـNarziguas نفسه.

■ خامسًا: أين يظهر Ludea في الوثيقة؟
يظهر Ludea في موضع آخر من النص، لا بوصفهم قادة للقوة المذكورة.
فقد ذكر Cristóvão Valle de Rosales أن senhor dos narziguas وعده بأنه إذا منع ملك البرتغال القشتاليين من المجيء إلى الساحل:
daryão cada ãno os mouros deste ludea mil vacas a V.A.
أي في المعنى:
«سيعطي Mouros هذا الـLudea لجلالتكم ألف بقرة كل سنة»
(Freire, p. 33؛ ANTT, Corpo Cronológico, Parte I, Maço 82, n.º 86).
وهذا فرق جوهري بين نص الوثيقة وبين الصورة التي أعادت التدوينة تركيبها.
فالوثيقة تقدم لنا:
senhor dos narziguas: صاحب التحرك والتفاوض في الواقعة.
muitos mouros de cavallo e de pee: القوة التي يتحرك بها.
castelhanos das Canaryas: الخصم الذي يراد دفعه والقبض عليه.
البرتغاليون: الطرف الذي يجري التفاوض معه لمنع القشتاليين من الوصول إلى الساحل.
Ludea:
يرد اسمهم في التعهد بأداء ألف بقرة سنويًا.
أما القول إن:
«أولاد رزق قادوا تحالفًا حسانيًا-صنهاجيًا»
فلا تثبته هذه الوثيقة.
فإذا كانت هناك وثيقة برتغالية أخرى تنص على ذلك، فلتقدم ويبحث نصها؛ أما وثيقة 10 أبريل 1549م فلا تسند القيادة إلى Ludea.
بل إن ترتيب الأدوار الذي تقدمه يجعل senhor dos narziguas في مركز المبادرة والتحرك والتفاوض، ولا يجعل Narziguas مجرد «مساعدة» لقوة يقودها Ludea.

■ سادسًا: هل كان التحرك موجهًا ضد البرتغاليين؟
إن وثيقة 1549م لا تثبت ذلك أيضًا.
فالتحرك الذي تصفه موجه ضد castelhanos das Canaryas، بينما يجري التفاوض مع السلطة البرتغالية لمنع هؤلاء القشتاليين من الوصول إلى الساحل، مقابل أداء سنوي (Freire, p. 33).
وهذا يعني أننا أمام صورة أكثر تركيبًا من ثنائية «برتغاليين غزاة/سكان محليين يقاومونهم».
فالبرتغاليون الذين كانوا طرفًا في الغارات والأسر في أخبار أربعينيات القرن الخامس عشر يظهرون بعد نحو قرن، في هذه الواقعة تحديدًا، طرفًا يجري التفاوض معه لتقديم الحماية ، بينما تنسب الوثيقة أسر نساء السكان وأبنائهم إلى القشتاليين القادمين من الكناري.
وهذا لا يمحو تاريخ الغارات البرتغالية السابقة، ولكنه يمنع تعميم صورة أربعينيات القرن الخامس عشر على القرن السادس عشر كله.

■ سابعًا: دعوى «المغافرة، وبالأخص الترارزة»

ثم يقول الدكتور أحمد ولد المصطف:
«ولا شك أن المغافرة، وبالأخص الترارزة، واصلوا الضغط على البرتغاليين بعد معركة انتينام…»

وهنا تظهر مشكلة مصدرية أخرى.
فإلى تاريخ سقوط قلعة Arguim البرتغالية، لا يظهر — فيما وقفنا عليه من المصادر البرتغالية والإسبانية والهولندية المتعلقة بهذه الأحداث — اسم «المغافرة» ولا اسم «الترارزة»، فضلًا عن أن تذكرهما هذه المصادر طرفًا يمارس ضغطًا متصلًا على البرتغاليين.

فكيف ننسب إليهم فعلًا تاريخيًا كبيرًا قبل أن نقدم المصدر المعاصر الذي يثبت حضورهم بأسمائهم ؟
إن إثبات الفعل يبدأ بإثبات الفاعل.
ولهذا فإن عبارة «ولا شك» لا تقوم مقام المصدر، بل تجعل السؤال أكثر تحديدًا:
ما الوثيقة البرتغالية أو الإسبانية أو الهولندية المعاصرة التي تسمي المغافرة أو الترارزة، وتثبت أنهم مارسوا هذا الضغط على البرتغاليين؟

■ ثامنًا: من أجلى البرتغاليين عن قلعة آرغين؟

إن تدوينة د. أحمد ولد المصطف تقول إن المغافرة، وبالأخص الترارزة، واصلوا الضغط على البرتغاليين:
«حتى جلائهم مطلع 1634م».
لكن نهاية السيطرة البرتغالية على قلعة Arguim ليست حادثة مجهولة الفاعل.
فالفاعل معروف وموثق:
الهولنديون.
ففي 5 فبراير 1633م استولى أربعون جنديًا هولنديًا بقيادة Laurens Cameels على قلعة Arguim، وكانت الحامية البرتغالية لا تتجاوز أربعة عشر جنديًا (Henk den Heijer, “Encounters at Arguin and the Dutch Slave Trade, 1633–1634”, p. 145).
وهذه المعلومة تجعل عبارة:
«واصلوا الضغط على البرتغاليين… حتى جلائهم»
بحاجة إلى إعادة نظر.
فلو كان الفاعل الذي أنهى السيطرة البرتغالية مجهولًا، لكان من المشروع البحث عن القرائن لتعيينه.
أما والفاعل الذي استولى على القلعة معروفًا بالاسم والجنسية، بل ومعروفًا قائد القوة وعدد جنودها وتاريخ الاستيلاء، فلا يصح نقل نتيجة هذا الفعل إلى جماعة أخرى دون مصدر يثبت العلاقة.
فالذين استولوا على قلعة Arguim وأنهوا السيطرة البرتغالية عليها هم:
الهولنديون سنة 1633م
(den Heijer, “Encounters at Arguin”, p. 145).

بل إن الإشكال هنا أشد وضوحًا: كيف يقال إنهم واصلوا الضغط على البرتغاليين «حتى جلائهم مطلع 1634م»، وقد تحقق الاستيلاء على القلعة وإنهاء السيطرة البرتغالية فيها على يد الهولنديين في 5 فبراير 1633م؟
فلا بد من التفريق بين تاريخ الاستيلاء العسكري الموثق على القلعة، وبين أي تأريخ لاحق لبداية الإدارة الهولندية أو لترتيبات ما بعد الاستيلاء.

■ الخلاصة
إننا عندما نفكك هذه الفقرة ونعود إلى المصادر بحسب ترتيبها الزمني، تظهر أمامنا صورة أكثر تركيبًا:
أربعينيات القرن الخامس عشر: غارات وأسر وقتل برتغالي، يقابله تصاعد في المقاومة المحلية
(Zurara, Crónica dos Feitos da Guiné).
1444م: بلغت حصيلة حملة Lançarote على costa de Arguim، بحسب زورارا، 235 أسيرًا
(Zurara؛ Lacerda, “Lançarote”, 2009).
حتى 1448م: بلغ مجموع الأسرى الذين حملهم مختلف الرحالة إلى البرتغال، بحسب تقدير زورارا، 927 أسيرًا ضمن مجال الرحلات الأوسع
(Beazley & Prestage, The Chronicle, Introduction, p. xx).
أواخر أربعينيات القرن الخامس عشر وما بعدها: تحول متزايد من الغارة المباشرة إلى التجارة والمعاملات والاتفاقات
(Zurara, Crónica, ch. XCVII).
10 أبريل 1549م: تسمي وثيقة Arguim castelhanos das Canaryas، أي القشتاليين من جزر الكناري، مصدر الخطر في الواقعة؛ وتضع senhor dos narziguas، أي «سيد/زعيم الـNarziguas»، في مركز التحرك والتفاوض، وتذكر القوة التي معه بأنها muitos mouros de cavallo e de pee، أي «عدد كبير من المور، فرسانًا ومشاة»؛ وتجعل البرتغاليين طرفًا يجري التفاوض معه لمنع القشتاليين، بينما لا يظهر Ludea قادةً لهذه القوة، وإنما يرد اسمهم في سياق التعهد بأداء ألف بقرة سنويًا
(ANTT, Corpo Cronológico, Parte I, Maço 82, n.º 86؛ Freire, p. 33).
5 فبراير 1633م: استولى أربعون جنديًا هولنديًا بقيادة Laurens Cameels على قلعة Arguim، وانتهت السيطرة البرتغالية عليها
(den Heijer, “Encounters at Arguin and the Dutch Slave Trade, 1633–1634”, p. 145).
وبذلك فإن المصادر التي وقفنا عليها لا تسند، بصيغتها المطروحة، سلسلة الدعاوى الآتية:
«سبي وقتل عشرات الآلاف»؛
ثم:
«تحالف حساني-صنهاجي ضد البرتغاليين»؛
ثم:
«قيادة أولاد رزق لهذا التحالف»؛
ثم:
«المغافرة وبالأخص الترارزة واصلوا الضغط»؛
ثم:
«حتى جلاء البرتغاليين».
فهذه ليست حقيقة تاريخية واحدة، وإنما دعاوى متعددة، وكل واحدة منها تحتاج إلى مصدرها الخاص.

أما ما تثبته المصادر التي وقفنا عليها فهو أدق: غارات وأسر ومقاومة في القرن الخامس عشر، ثم تحول متزايد نحو التجارة؛ ووثيقة سنة 1549م تقدم قشتاليين معتدين، وتضع سيد/زعيم الـNarziguas في مركز التحرك والتفاوض، وقوةً محلية من الفرسان والمشاة تتحرك ضد القشتاليين، والبرتغاليين طرفًا يجري التفاوض معه لتقديم الحماية من القشتاليين ، بينما يرد Ludea في سياق التعهد المالي؛ ثم تنتهي السيطرة البرتغالية على القلعة سنة 1633م باستيلاء الهولنديين عليها.

وهذا التفريق لا يهوّن من القتل والأسر والاسترقاق الذي وقع؛ وإنما يضع:
كل واقعة، وكل عدد، وكل جماعة، وكل فاعل، في الموضع الذي تسنده إليه الوثيقة.
فالوقائع التاريخية لا يثبتها التأكيد، ولا عبارة «ولا شك»؛ وإنما تثبتها المصادر.
د. السالم بن دَيْد عبود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى